مشاهد للنفق الذي حفره 6 اسرى فلسطينيين للهرب من سجن جلبوع

تحت جنح الليل المظلم كظلمات زنازين الاحتلال، تمكن 6 أسرى فلسطينيين من الخروج من محبسهم، إلى طريق الحرية عبر نفق صغير حفروه بإرادتهم الفولاذية مستعينين بأدوات بسيطة كانوا يستخدمونها للطعام، لتبدأ رحلة جديدة من الملاحقة والمطاردة للهاربين من جحيم سجن (جلبوع) الإسرائيلي إلى فضاء الحرية الواسع.

الأسرى الستة الذي قدر لهم الهروب من السجن وعذاباته التي لا يمكن وصفها عبر (كلمات، تقارير، قصائد شعرية) هم مجموعة صغيرة من بين 4500 معتقل يواجهون كافة أشكال التعذيب والتنكيل والسادية الإسرائيلية، كما يواجهون التمييز العنصري وسياسة الإهمال الطبي التي أدت إلى استشهاد العشرات منهم منذ نشأة تلك السجون التي بنيت خصيصا لإذلال وقتل الروح المعنوية للباحثين عن حرية أوطانهم من براثن الاحتلال.

والأسرى الذين تمكنوا من الخروج عبر النفق هم الأسير محمود عبد الله عارضة (46 عاما)، والأسير محمد قاسم عارضه (39 عاما)، يعقوب محمود قادري (49 عاما)، أيهم نايف كممجي (35 عاما)، يعقوب انفيعات (26 عاما) من الجهاد الإسلامي، والأسير زكريا الزبيدي القيادي في كتائب شهداء الأقصى.

فكرة مجنونة

عملية الهروب من السجن ليست بالأمر السهل الذي يكتب لها النجاح فالكثير من المحاولات لم يتمكن أصحابها من تنفيذ مخططهم والفرار من السجن، لكن أسرى (جلبوع) كانوا مختلفين تماما فالحرية التي ينشدونها لا تأتي إلا عبر الارادة والتصميم والتخطيط الدقيق فكان لهم ما عملوا عليه منذ سنوات.

وباختلاف الزمان والمكان والسجان فتبدوا فكرة الهروب من السجن فكرة مجنونة لا يمكن للعقل البشري التفكير بها، لكن هؤلاء الباحثين عن الحرية والكرامة كان لهم موقف آخر فأجمعوا على الفكرة ومن ثم بدأوا بالتخطيط الدقيق للعملية والتنسيق المتقن والتنفيذ المحكم الذي لم يلفت نظر السجانين وأجهزة المراقبة والكاميرات التي تملأ السجن من الداخل والخارج.

وربما كل الروايات التي كتبت حول هروب الأسرى في السجون حول العالم لا يمكن أن تصف هذه العملية الفلسطينية المحكمة بامتياز، فكيف تمكن هؤلاء الأسرى من الحفر ومن أين وكيف تمت عملية الحفر، ما هي أدواتهم ومعداتهم لكي يحفرا في الصخر، كيف وزعوا الأدوار والمهمات بينهم وما هي المعوقات التي واجهوها وكيف تغلبوا عليها، ما السر في عدم كشفهم وملاحظة مصلحة السجون والحراس وعشرات الكاميرات لهم أثناء عملية الحفر وكيف تمكنوا من الخروج من فتحة ضيقة متهالكة ليشقوا طريقهم نحو ضوء الحرية !

هذه التفاصيل ربما يجد الروائيين والسينمائيين صعوبة في ترجمتها إلى أفلام سينمائية (هوليودية) قل نظيرها، نظرا لصعوبتها البالغة ودقتها المتناهية التي لا تخطر على بال أحد، ولما لا وهى تشكل ملحمة وفصلا جديدا من فصول نضال وإرادة الفلسطينيين الممتدة عبر عشرات السنين بانتزاع حريتهم وحقوقهم المشروعة، مهما علا الجلاد وتجبر المحتل.

تعزيز التواجد العسكري

ووصف رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، فرار الأسرى الستة من جلبوع بأنه حدث خطير، وقال خلال محادثة مع وزير الأمن الداخلي، عومير بار ليف، إن الحدث يلزم جميع الأجهزة الأمنية بالتحرك.

وقرر وزير الجيش الاسرائيلي بني غانتس الدفع بالمزيد من الجنود لمراقبة الحدود ونقاط التماس في اعقاب هروب ستة اسرى صباح اليوم من سجن جلبوع.

ونقلت إذاعة جيش الاحتلال، أن وزير جيش الاحتلال بني غانتس أمر بمواكبة الجهود الاستخباراتية والعملياتية لتحديد مكان السجناء الأمنيين الذين فروا من السجن.
وأضافت أنه أصدر تعليمات مشددة بتعزيز قوات جيش الاحتلال على المعابر الحدودية والاستعداد لتنفيذ جميع الإجراءات المطلوبة للقبض على الأسرى الفارين بالتعاون مع جميع القوات الأمنية.

من جهته قال وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي عومر بارليف ان عملية الهروب كانت مخططة بشكل دقيق للغاية وبالتالي كان من المحتمل أن تكون هناك مساعدة خارجية .

و قال موقع والا العبري، إن حادث هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من جلبوع الذي يُعتبر أحد أشد السجون حراسة، بدأ حوالي الساعة 325 صباحًا وبعد حوالي نصف ساعة انكشف الأمر وبدأت المروحيات والطائرات المسيرة في إجراء عمليات التمشيط حول الموقع، وفي الوقت نفسه طُلب من المستوطنين المساعدة في عمليات البحث داخل المستوطنات.

سجن جلبوع (القلعة الحصينة)

يقع سجن جلبوع في شمال فلسطين أُنشأ حديثًا بإشراف خبراء ايرلنديين وافتتح في العام 2004 بالقرب من سجن شطة في منطقة بيسان شمال فلسطين المحتلة، ويعد السجن ذو طبيعة أمنية مشددة جدًا، ويوصف بأنه السجن الأكثر و الأشد حراسة، ويحتجز الاحتلال فيه أسرى فلسطينيين يتهمهم الاحتلال بالمسؤولية عن تنفيذ عمليات داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948.

يتكون السجن من خمس أقسام وفي كل قسم هناك 15 غرفة تتسع كل غرفة إلى 8 أسرى، مع بداية افتتاحه تم نقل مجموعة من الاسرى اليه بزعم أنهم النواة الصلبة للأسرى من كافة السجون مكونة من 70 أسيراً من مختلف التنظيمات والفصائل الفلسطينية، وذلك ضمن مخطط اسرائيلي يستهدف عزل النشطاء من الأسرى في هذا السجن الذي يخضع لإجراءات أمنية مشددة ومعقدة.

ويعد سجن جلبوع قلعة حصينة أٌقيمت من الأسمنت المسلح والفولاذ ويحاط بجدار ارتفاعه تسعة أمتار ويوجد في أعلاه صاج مطلي وذلك كبديل عن الأسلاك الشائكة التي توجد عادة في جميع السجون، وقد نصب على جميع نوافذ السجن حديد تم تطويره في يطلق عليه حديد نفحا وهو عبارة عن قضبان مصنوعة من الحديد والأسمنت لم يتمكن أحد في العالم حتى اليوم من نشره .

وقد تم إدخال عنصر سري تحت أرضية السجن، ولا يسمح بالحفر، وإن تم إخراج جزء من الباطون الذي يغطي أرض السجن يتحول لون أرضية الغرفة إلى لون آخر يشير إلى محاولة حفر خندق.

إخفاق لمنظومة الأمن

وقال مسؤول كبير في مصلحة السجون الإسرائيلية حول عملية الهروب من سجن جلبوع إنه إخفاق خطير ومحرج للغاية على المستوى الوطني وأكد أن العملية هي فشل ذريع لجهاز الأمن والاستخبارات الإسرائيلية حيث لم تتمكن من تحديد مكانهم والقاء القبض عليهم إلى الآن.

وأضاف في حديث صحيفة (إسرائيل اليوم) فشلنا، هناك فشل كبير، فالسجناء، وربما الأمنيون تحديدا، يبحثون دائما عن ثغرة للهروب من خلالها، وحقيقة أنهم نجحوا، ما حدث هو فشل كامل للنظام الأمني والاستخباراتي للسجن ودائرة السجون كلها.

الاخفاق الأمني الجديد دفع سلطات الاحتلال ومصلحة السجون إلى إخلاء 400 معتقل فلسطيني من السجن ونقلهم عبر حافلات إلى سجون الأخرى خشية من تجربة الفشل الأمني الاسرائيلي.

وأعلنت إذاعة جيش الاحتلال أنه وخشية من وجود انفاق جديدة فانه سيتم نقل نحو 400 أسير في سجن جلبوع خلال الساعات المقبلة وتوزيعهم على باقي السجون، تمهيدا لإجراء عملية مسح شاملة في السجن ومرافقة خوفا من وجود أنفاق أخرى يتمكن الأسرى من الهروب عبرها.
وذكرت أن قوات الاحتلال عززت بصورة كبيرة من تواجدها العسكري والأمني ونصبت حواجز عسكرية لمحاصرة مدينة جنين المحتلة خشية تمكن الأسرى من الفرار لمناطق أخرى.

حرب عقول

وقال الكاتب والمحلل السيسي محمود مرداوي إن عملية الهروب من سجن جلبوع، صباح اليوم، تشكل ضربة تحت الحزام للأمن الصهيوني، إذ أن مديرية السجون وأجهزتها المختلفة تتخذ عدة إجراءات لمنع حدوث عملية هرب من هذا النوع والإجراءات المتبعة ومنها صب أرضيات الغرف بطبقة خرسانية مع حديد مقوى متين جداً، ووجود حديد فولاذي مصبوب بمادة خاصة قوية على النوافذ فيها حساسات إنذار مبكر تحذر السجانين عند قصها ممن يحاول الهرب، بالإضافة إلى جدران سميكة من الباطون المسلح، وسور داخلي طوله ثمانية أمتار وعليه أسلاك شائكة.

وأشار مرداوي إلى وجود (كلاب حراسة) موزعة حول أسوار السجن تغطي كل المسافات الفاصلة بينها، وسور عال من الأسلاك الشائك، وشارع يحيط بالسجن تدور حوله دوريات بشكل مستمر للتأكد من سلامة الإجراءات، بالإضافة إلى أبراج عالية موزعة على نقاط متفرقة تغطي السجن من كل الأطراف تشاهَد بالعين المجردة والكاميرات الالكترونية فائقة الدقة.

وأضاف أن جهاز الأمن في السجن يتولى منع هروب الأسرى ومسؤول عن فحص هذه الإجراءات والتأكد من أنها فعالة وبشكل دائم يجري عمليات فحص دورية لها من خلال فحص الأرضيات بالدق عليها وعلى الجدران والنوافذ 3 مرات يومياً بأدوات خاصة لهذا العرض.

والقيام بعمليات التنقلات المستمرة في داخل الغرف للمؤبدات والأسرى الذين من المحتمل أنهم يفكرون بالهرب وهذا يتولى تنفيذه جهاز المخابرات في مديرية السجون.

وأوضح ان الاحتلال يعطي وسم توصيف على كرت كل أسير من هؤلاء الاسرى المحتمل تفكيرهم بالهرب حتى يوضعوا تحت الأضواء والمراقبة الدائمة ويتم نقلهم بين الغرف والأقسام والسجون المختلفة وإجراء عمليات التفتيش الدقيقة للأسرى.

وشدد على انه ورغم كل هذه الاجراءات الظاهرة والخفية تمكن الاسرى من الحفر بأدوات بدائية بدون صوت يسمع وكمية هائلة من التراب تخرج من النفق ويتم التخلص منها بطرق ووسائل شتى دون ان تلحظ هذه المنظومة الكاملة المتكاملة، تمثل هزيمة للعقل الإسرائيلي وانتصار للعقل الفلسطيني.

عمليات سابقة
لم تكن عملية الهروب الأخيرة من (جلبوع) هي اول محاولات الهروب التي نفذها الأسرى الفلسطينيين، من سجون الاحتلال فقد سبقها العديد من المحاولات التي نجح بعضها فيما فشلت محاولات آخرى.

وأثبتت التجربة أن الأسرى الفلسطينيين، الذين يواجهون عذابات الأسر والاعتقال، مستمرون في محاولة الهرب من ذلك الجحيم وقد شهدت السجون عشرات المحاولات منها ما نجح ومنها من اكتشف أثناء التنفيذ.

وفي السابع عشر من مايو/ أيار عام 1987، وخلال شهر رمضان، نجح ستة أسرى من الهروب من سجن غزة المركزي والذي كان يعرف بـ (السرايا) وسط مدينة غزة، بعد تمكنهم من قص قضبان غرفة 7 في قسم (ب) الواقع في الطابق الثاني من السجن والهروب من قبضة الاحتلال.

واستغرقت عملية قص القضبان سبعة أيام متواصلة دون أن يلاحظ أو يشعر أحد بما يفعلون، حيث بدأوا النشر من الجهة الخلفية للقضبان الحديدية خلال صلاة التراويح وأثناء آذان الفجر أحياناً.

وقال الناطق باسم سرايا القدس، ان عملية الهروب من (جلبوع ) تشبه إلى حد كبير عملية الهروب كثيراً من سجن غزة المركزي عام 1987 وفي سجن عوفر 2003 على يد اسرى من حركة الجهاد الاسلامي، وهو ما يؤكد أن الفلسطيني لا يمكن ان يستسلم وأنه يصنع حريته بزناده.

وأكد على أن المقاومة التي تواصل الحفر بالصخر ليل نهار؛ طلباً لحرية الأسرى، وأن قدر الأسرى هو الحرية والخلاص وأن الكف ما زال يواجه المخرز بكل شجاعة وعنفوان.

وعام 1998 حاول 24 أسيراً من الهروب من سجن (شطة) الإسرائيلي، حيث كانت خطة الهروب تقضي بتفريغ الغرفة من أصحاب الأحكام الخفيفة ومن أي أسير متردد، ثم البدء في عملية حفر نفق داخل الغرفة والتي اختير لها فريق من الأسرى له خبرة واسعة في هذا المجال.

وكرر أسرى من (شطة) المحاولة عام 2014 لكن الاحتلال اكتشف النفق الذي حفروه بطول أربعة أمتار.

وفي عام 1969 تمكن الأسير محمود عبد الله حماد المعروف بمحمود الصيفي من سلواد من الهروب من أحد سجون الاحتلال في رام الله بعد ضربه سجاناً في باحة السجن.

وفي 17 من نيسان 1964 تمكن بطل الملاكمة الأسير حمزة يونس من بلدة عارة في الداخل الفلسطيني المحتل مع رفيقيه مكرم يونس وحافظ مصالحة من الهرب من سجن عسقلان إلى غزة بعد اشتباك بالأيدي مع حراس السجن. وفي يوليو 1958 اندلعت انتفاضة في سجن شطة هرب خلالها 66 أسيرا، واستشهد 11 فيما قتل جنديان إسرائيليان.

المصدر قناة الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!